فخر الدين الرازي
289
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المحمودة في الدنيا ، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : كان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوه للّه ، روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة : يا رسول اللّه لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي إليّ أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام : « بخ بخ ذاك مال رابح ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين » فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول اللّه ، فقسمها في أقاربه ، و يروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأبي بن كعب رضي اللّه عنهما ، و روي أن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل اللّه ، فحمل عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسامة ، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام : إن اللّه قد قبلها واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . المسألة الثانية : للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما : ما به يصيرون أبرارا حتى يدخلوا في قوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة والثاني : الثواب والجنة فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالإنفاق على هذا الوجه . أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال : الْبِرَّ هو التقوى واحتج بقوله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إلى قوله أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ البقرة : 177 ] وقال أبو ذر : إن البر هو الخير ، وهو قريب مما تقدم . وأما الذين قالوا : البر هو الجنة فمنهم من قال : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي لن تنالوا ثواب البر ، ومنهم من قال : المراد بر اللّه أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس : برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ينقطع عني ، وقال تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ إلى قول : أَنْ تَبَرُّوهُمْ [ الممتحنة : 8 ] . المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في قوله مِمَّا تُحِبُّونَ منهم من قال : إنه نفس المال ، قال تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ العاديات : 8 ] ومنهم من قال : أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [ البقرة : 267 ] ومنهم من قال : ما يكون محتاجا إليه قال تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى / حُبِّهِ مِسْكِيناً [ الإنسان : 8 ] أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] وقال عليه السلام : « أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر » والأولى أن يقال : كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب . المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق ، هل هو الزكاة أو غيرها ؟ قال ابن عباس : أراد به الزكاة ، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم ، وقال الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه اللّه فإنه من الذين عنى اللّه سبحانه بقوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ حتى التمرة ، والقاضي اختار القول الأول ، واحتج عليه بأن هذا الانفاق ، وقف اللّه عليه كون المكلف من الأبرار ، والفوز بالجنة ، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق ، لم يصر العبد بهذه المنزلة ، وما ذاك إلا الانفاق الواجب ، وأقول : لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب ، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب ، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب .